الثلاثاء، 12 مايو، 2009

مفهوم الثقافة فـي العلوم الاجتماعية

شهد مفهوم الثقافة منذ بضعة عقود نجاحاً متنامياً.حيث طمحت هذه الكلمة إلى أن تحل محل عبارات أخرى كثر استعمالها في الماضي مثل "العقلية" mentalité و"الروح" esprit و"التقليد" tradition أي الإيديولوجيا.ويعود سبب هذا النجاح إلى شيء من تبسيط أنثروبولوجي، وهو تبسيط لم يخل دائماً من سوء الفهم أو من تبسيط بلغ حد الإسراف.وغالباً ما نتذكر من هذا النوع المعرفي أكثر الأطروحات المختلف عليها في بداياتها والتي هجرها غالبية الأنثروبولوجيين منذ تلك الفترة.‏

دخلت كلمة "ثقافة"حديثاً في مجالات دلالية لم تعهدها من قبل، ودرج استخدام الكلمة اليوم في المفردات السياسية، فيقال مثلاً "ثقافة الحكومة" التي تتم مقارنتها بـ "ثقافة المعارضة"وتحدث أحد زعماء الحزب الاشتراكي في تشرين الأول من عام 1995 في صحيفة لوموند عن "الثقافة اللامركزية"(التي تقابل ضمناً " الثقافة المركزية".وهناك مثال آخر: خلال نشرة أخبار الساعة الواحدة بعد الظهر في إذاعة فرانس إنتير بتاريخ 11 أيلول 1995 تم الاستشهاد بالتصريح التالي لأحد كبار موظفي الأمم المتحدة حول الصراع في البوسنة:"ليس في ثقافة الأمم المتحدة أن تضع أكياساً من الرمل أمام مراكز القوات الدولية".ومنذ فترة نشهد تكاثراً في استخدام كلمة "ثقافة" في دوائر السلطة.‏

المفردات الدينية نفسها لم تنج مما يبدو ظاهرة لغوية خاصة بالمرحلة الحالية.ففي مجمع الفاتيكان المسكوني الثاني الذي انعقد في الستينات، ابتدع اللاهوتيون الكاثوليك مفهوم الاندماج الثقافي inculturation الذي لا يعني، كما يعتقد البعض، نشر اللاثقافة (بمعنى الجهل)، بل دمج الرسالة الإنجيلية في كل ثقافة من ثقافات الشعوب التي تتكون منها البشرية.وبعد أن حازت النسبية الثقافية على كل شيء فإن هؤلاء اللاهوتيين يريدون القول، من خلال هذا المفهوم، بواجب الكنيسة في احترام الثقافات الأصلية.‏

في نيسان من عام 1995 نشر البابا يوحنا بولس الثاني الرسالة البابوية evangelium evangelium vitae حول "قيمة الحياة البشرية وحصانتها" وفيها يستنكر، عبر مفردات أرادها أن تكون حديثة، ما يسميه ب"ثقافة الموت" أي "الثقافة التي تدفع إلى الإجهاض".وبمعزل عن أن البابا ( وهو حدث مدهش في حد ذاته) لا يستخدم تعبير "ثقافة الموت" في حال اللجوء إلى الإجهاض وليس في حالات أخرى (مثل الإفتاء حول عقوبة الإعدام" فإننا نشير إلى أننا هنا أمام مبالغة لغوية تفضي إلى اللا معنى. الحقيقة أن كل ثقافة، بالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة، ، هي موجهة بشكل عام نحو إعادة إنتاج الحياة.ولهذا تسعى كل ثقافة لأن تكون جواباً على سؤال الموت.وتضع الثقافة نوعاً من صيغة علاقات الأحياء بالموت وبالموتى، وتسعى إلى منح معنى معين إلى مختلف الأشكال التي يمكن للموت أن يكتسبها، وهذا يعني إعطاء معنى للحياة.إن العبارة التي ابتدعها البابا تنطوي على تناقض في الكلمات.وإذا كان لابد لنا من إيجاد معنى لها يجب أن تصف الثقافات البشرية كلها بأنها "ثقافات موت" لأنه يندر أن نجد مجتمعات لم تقبل ولم تمارس هذا الشكل أو ذاك من أشكال الإجهاض و/أو قتل الأطفال infanticide.‏

مفهوم (الثقافة السياسية)‏

كما أشرنا أعلاه فإن كلمة "ثقافة" قد اجتاحت المشهد السياسي منذ فترة قريبة وأصبحت إحدى المفردات السياسية المعاصرة الدارجة:فرجال السياسة يستخدمونها في كل قول لهم لدرجة يمكنها أن تبدو من الآن فصاعداً تقريباً بمثابة عادة لغوية.ولا شك أنهم باستخدامهم كلمة نبيلة كهذه يقصدون إضفاء نوع من الشرعية على تصريحاتهم لأن كلمة "ثقافة" لم تفقد حظوتها كما فقدتها كلمة "إيديولوجيا".‏

هذا الاستخدام المفرط للكلمة يجب ألا يقودنا إلى التنازل عن استخدامها في علم الاجتماع السياسي ولا إلى طمس الفائدة من ربط الظواهر الثقافية بالظواهر السياسية.هناك مسائل أساسية بالنسبة للمجتمعات المعاصرة تقود إلى التساؤل حول هذه العلاقة مثل مسألة عالمية "حقوق الإنسان"(آبو، 1992).ولإدراك البعد الثقافي في السياسة يلجأ الباحثون إلى مفهوم "الثقافة السياسية".وقد تشكل هذا المفهوم في سياق حصول الدول المستَعمَرة على استقلالها.وقد بيّن تكوّن الدول الجديدة في العالم الثالث أن استيراد المؤسسات الديمقراطية غير كاف لتأمين عمل الديمقراطية,عندئذ وجد عالم الاجتماع نفسه متسائلاً عن الأسس الثقافية التي تقوم عليها الديمقراطية.كل منظومة سياسية تبدو مرتبطة بمنظومة من القيم والتصورات، أي بالثقافة الخاصة بمجتمع معين.عند هذا المستوى الأول من التفكير فإن مفهوم الثقافة السياسية يرتبط ارتباطاً كبيراً بما كان يسمى سابقاً ب"الخصوصية الوطنية".وكان السبب في إنجاح هذا المفهوم هو توجهه المقارن، فقد كان ينتظر منه أن يسمح في فهم ما يساعد أو يعيق الفعالية الكاملة من أجل إقامة مؤسسات حديثة.وقد قام باحثان أميركيان هما غابرييل ألموند وسيدني فيربا بإخضاع خمسة بلدان (الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا، المكسيك) إلى المقارنة انطلاقاً من تحليل أشكال متنوعة من السلوكات السياسية، وتوصلا إلى وضع تصنيف للثقافات والبنى السياسية المتكيفة مع تلك الثقافات من الناحية الوظيفية: إذ ترتبط بالثقافة "الرعوية paroissiale "التي تهتم بالمصالح المحلية بنية سياسية تقليدية لا مركزية، وبثقافة "الخضوع" التي تنمي السلبية لدى الأفراد ترتبط ثقافة تسلطية.وثقافة "المشاركة"في نهاية الأمر تنسجم مع البنية الديمقراطية.والثقافة السياسية المحسوسة هي ثقافة خليطة حيث يمكن لنماذج الثقافة الثلاثة أن تتعايش.لكن التلاؤم الأكبر بين النموذج المهيمن وبين البنية يفسر العمل المقنع إلى حد ما للمنظومة السياسية لا سيما منظومة المؤسسات الديمقراطية(ألموند و فيرا 1963).‏

لقد تهذب البحث تدريجيا وبدلاً من ضرورة السعي إلى وصف الثقافات السياسية الوطنية بشكل إجمالي فقد ازداد اهتمام علماء الاجتماع بمختلف الثقافات الثانوية السياسية الموجودة في كنف المجتمع، نظراً لأن الأمم المعاصرة تشهد تعددية في نماذج القيم التي توجه المواقف والسلوكات السياسية.وهكذا يجهدون في فرنسا لتوضيح النماذج الثقافية التي تقع في أساس التعارض بين اليمين واليسار، وبشكل أدق في التمييز بين مختلف جماعات اليمين واليسار.‏

لقد أدى تطور الأنثروبولوجيا السياسية إلى إعادة النظر في فكرة السياسي نفسها والتي لا تحمل المعنى نفسه في مختلف المجتمعات.إن مفهومي السلطة والقانون والنظام يمكن أن يكونا مختلفين لأنهما محددان بعلاقاتهما مع العناصر الأخرى للمنظومة الثقافية المعنية.وبما أن مقولة السياسي هي مقولة مستقلة من مقولات الفكر والفعل فهي لا توجد بشكل شامل، الأمر الذي يقتضي اللجوء إلى التحليل المقارن.ليس من الضروري أن نجد في كل مجتمع ثقافة سياسية معترف بها ويتم نقلها على أنها كذلك.والسعي إلى فهم دلالات الأفعال السياسية في مجتمع معين يعني بالنتيجة حتمية الرجوع إلى مجمل منظومة الدلالات التي هي ثقافة المجتمع المدروس.‏

وبموازاة هذه التساؤلات، جهد الباحثون من أجل توضيح آليات الانتقال من جيل إلى جيل.وكان موضوع التأهيل الاجتماعي السياسي موضوعاً لعدة أبحاث اهتمت بالطفولة كما اهتمت بسن البلوغ.وبينت هذه الأعمال التشابه القوي بين السلوكات السياسية لدى الأطفال وبين سلوكيات الأهل. ومع هذا لا يمكن خلط التأهيل الاجتماعي السياسي بمجرد التلقين العائلي.وأوضحت آنيك بورشرون التأهيل الاجتماعي السياسي عند الأطفال لأنه لا ينطوي على سلسلة من التعليم الشكلي بل لأنه ينشأ عن" تسويات" دائمة وغير شكلية بين الأطفال وبين القائمين على هذا التأهيل وأولهم العائلة والمعلمون.التأهيل الاجتماعي السياسي يتخذ مظهر التوفيق بين طموحات الفرد وبين مختلف الجماعات التي يقيم معها علاقاته.وهذا التأهيل ليس مكتسباً أبدأ بشكل نهائي، لكنه ينتج بشكل تدريجي وغالباً بشكل غير مقصود.وككل عملية تأهيل اجتماعي فإنه يساهم مباشرة في تكوين هوية الفرد.‏

مفهوم (ثقافة المؤسسة)*‏

إن مفهوم "الثقافة الصناعية" الذي سرعان ما شهد نجاحاً كبيراً، ليس من إبداع العلوم الاجتماعية بل جاء من عالم المؤسسات الصناعية والتجارية .‏

برز هذا التعبير للمرة الأولى في الولايات المتحدة خلال السبعينات.حينئذ كانت المؤسسات الأميركية تريد مواجهة المنافسة اليابانية التي أصبحت شيئاً فشيئاً عدوانية بهدف إيجاد وسيلة لتعبئة المواطنين من أجل هذه المواجهة.وظن أصحاب الشركات أن موضوع الثقافة الصناعية سيتيح التركيز على أهمية العامل البشري في الإنتاج( سان سوليو، 1987، ص 206)‏

وظهر هذا المفهوم في فرنسا في الثمانينات من خلال خطاب المسؤولين عن الإدارة. وانتشار موضوع الثقافة الصناعية في وقت الأزمة الاقتصادية أمر له دلالته.وقد يعود السبب في النجاح الذي حققه هذا الموضوع thème لكونه قد برز ليشكل جواباً على النقد الذي كانت تثيره المؤسسات الصناعية في أوج أزمتها حول العمل وإعادة البناء الصناعي.وإزاء الشك والاشتباه فإن استخدام مفهوم الثقافة كان يمثل عندها، بالنسبة لمدراء المؤسسات، وسيلة استراتيجية لكي يتماهى العمال وينخرطوا في الأهداف التي سبق لهم وضعها.‏

وبدا أن فكرة الثقافة الصناعية قد اعتمدت من خلال النتائج الناجمة عن ضم أو تجميع المؤسسات الصناعية الذي حد ث بشكل كبير في المرحلة التي سبقت مرحلة النمو الاقتصادي.وقادت الصعوبات العلائقية التي كانت قد نجمت عنها إلى وضع صيغ جديدة للتفكير المتعلق بسير عمل المؤسسة. والصورة التي كان يمكن للمأجورين تكوينها حول مؤسستهم باعتبارها مؤسسة قوية والتي يراد لها أن تستمر إلى م لانهاية قد ساءت بالتدريج ثم انهارت مع بروز الأزمة الاقتصادية وإعادة الهيكلة الصناعية.‏

وبالتالي فالأمر، بالنسبة لفرقاء الإدارة في فترة الثمانينات هو رد الاعتبار للمؤسسة الصناعية عبر خطاب إنسانوي لكي يقوم الأجراء بتصرفات وفية وفعالة.في الخطاب الإداري يتم اللعب على تعدد معاني كلمة "ثقافة" مع أن المعنى الأنثروبولوجي هو المهيمن.لكن أكثر الاستخدامات الأنثروبولوجية المعمول بها على الأغلب والمثيرة للجدل هو ذلك الاستخدام الذي يحيل إلى مفهوم الثقافة باعتبارها ناجمة عن عالم مغلق وثابت إلى حد ما يميز جماعة بشرية مزعومة التجانس وذات معالم محددة. هذا المفهوم الاختزالي للثقافة يفترض أنها تقوم بتحديد مواقف الأفراد وسلوكياتهم..من هذا المنظور ينتظر من الثقافة الصناعية أن تفرض منظومة تصوراتها وقيمها على أعضاء التنظيم.‏

تتضح لنا الآن الفائدة الرمزية التي تجنيها إدارات المؤسسات الصناعية من مفهوم كهذا.وترى هذه الإدارات أن الثقافة الصناعية لا ترتبط مباشرة بالمأجورين بل تسبقهم إلى حد ما وتفرض نفسها عليهم.وعدم انضمام العامل إلى ثقافة المؤسسة الصناعية يعني إلى حد ما استبعاد نفسه عن التنظيم.وتحت غطاء الثقافة واتخاذ ضمانة " علمية" هي ضمانة العلوم الاجتماعية يعني أننا في الحقيقة لسنا بعيدين عن العودة إلى الفكرة القديمة المتعلقة ب"العقلية البيتية"وقد تميز أرباب العمل الفرنسيون بالإشادة بهذه "العقلية البيتية"، وهم يتميزون بروح العائلة وبالمفهوم العائلي للسلطة.الإيديولوجيا التحتية هي إيديولوجية الانسجام العائلي والتوافق وغياب التناقضات ."البيت" يلغي الاختلافات( الطبقية) بين الأفراد والجماعات.‏

بالتالي فإن المفهوم الإداري للثقافة لم يأخذ من المفهوم الأنثروبولوجي للثقافة إلا ما يخدم أغراضه أي إعادة تفسير ثقافوي culturaliste بالغ الفقر والقائل بأن الثقافة تهيمن (بكل معاني الكلمة) على الفرد، وقامت لتوضيح حقائق شديدة الاختلاف، وهي على كل حال ثقافة هجرها الباحثون منذ زمن طويل. لا يمكن بأي شكل من الأشكال مقارنة المؤسسات الصناعية بالقبائل (على الرغم من شيوع الكلمة في المفردات الإدارية) أو بالعائلات.‏

في نهاية المطاف، إذا نظرنا إلى ثقافة المؤسسة الصناعية من هذه الزاوية فسنرى أنها ليست مفهوماً تحليلياً بل تلاعباً manipulation بالمفهوم الإيديولوجي للثقافة هدفه إضفاء الشرعية على تنظيم العمل في كنف المؤسسة الصناعية.وهذه المؤسسة تزعم تحديد ثقافتها كما تحدد استخداماتها:بعبارة أخرى، إن قبول الاستخدام يعني قبول ثقافة المؤسسة(بالمعنى المشار إليه).‏

واليوم تشكل (ثقافة المؤسسة) جزءاً من مفردات المدارس العليا لادارة الأعمال وادارة المؤسسات. ونظراً لغياب التأهيل في لعلوم الاجتماعية,فان المهنيين المنحدرين من هذه المدارس لا يأخذون في أغلب الأحيان من مفهوم الثقافة إلا ما يبدو لهم قابلاً للتطبيق المباشر على إدارة المؤسسات,متجاهلين تطور الأبحاث التي تبين تعقد كل منظومة ثقافية.‏

المقاربة السوسيولوجية لثقافة المؤسسة‏

لقد تطرق السوسيولوجيون بشكل مباشر أو غير مباشر إلى مسألة الثقافة في المؤسسة دون اللجوء إلى مفهوم ثقافة المؤسسة . تحليلاتهم تظهر عالماً ثقافياً غير متجانس لـه علاقة بعدم التجانس الاجتماعي لمختلف فئات العمال.فهؤلاء لا يأتون إلى المؤسسة وهم محرومون وغير مزودين ثقافياً.فهم يحملون إليها في بعض الحالات ثقافات المهنة وأحياناً ثقافة الطبقة(الـ<ثقافة العمالية>).وقد بين عدد من الدراسات أهمية هذه الثقافات في تنظيم تصرفات المأجورين لدى المؤسسة, وهذه الثقافات ليست مرتبطة جوهرياً بهذه المؤسسة أو تلك.‏

إذا كان السوسيولجيون (علماء الاجتماع) يرون في ثقافة المؤسسة معنى ما فذلك للإشارة إلى نتيجة المواجهات الثقافية بين مختلف المجموعات الاجتماعية التي تتكون منها المؤسسة. و ثقافة المؤسسة لا توجد خارج الأفراد المنتمين إليها, ولا يمكن أن تسبقهم في الوجود , إذ أنها تتكون من خلال الأفعال المتبادلة فيما بينهم.‏

حتى اليوم، حيث تميل ثقافات المهنة نحو الضعف بل والاختفاء , فإن المأجورين ليسوا في أي حال من الأحوال مرتبطين تماماً بالتنظيم من الناحية الثقافية. ويتجلى إبداعهم الثقافي بأشكال متعددة . و هذا الإبداع ليس إبداعاً لا حدود له بالتأكيد , ويرتبط جزئياً بوضعهم في المنظومة الاجتماعية للمؤسسة.‏

وقد بين روتو سان سوليو R.sainsaulieu ]1977 [ أنه بوسعنا , وفقاً للمجموعات الاجتماعية-المهنية , وضع أشكال(ترسيمات) مختلفة للسلوك في المؤسسة , واختصر هذه الأشكال إلى أربع نماذج ثقافية رئيسية .‏

الثقافة الأولى التي تتميز بها المنظمات الاجتماعية OS والعمال غير المؤهلين تتسم بالطابع الإدماجي Fusionnel للعلاقات لأن الجماعي collectif يشكل الملجأ والحماية ضد الانقسامات.وثقافة ثانية تحيل، في المقابل، إلى قبول الاختلافات والتفاوض , وهي بشكل خاص من شأن العمال المهنيين , ولكننا نجدها أيضاً لدى بعض الفنيين الذين يمارسون مهنة حقيقية وكذلك لدى الكوادر الذين يمارسون وظائف تأطير فعلية . الثقافة الثالثة ترتبط بحالات (أوضاع) المرونة mobilite الممتدة التي غالباً ما تعيشها الأطر التي تعلمت ذاتياً أو الفنيين .‏

إن صيغة سير العمل العلائقي هي , في هذه الحالة صيغة الصلات affinites الانتقائية والحذر من الجماعات المتكونة في المؤسسة . وأخيراً , الثقافة الرابعة الموجودة في أوساط العمل تتسم بالعزلة و التبعية . ونجدها بشكل أساسي لدى العمال المؤهلين الذين يفتقرون إلى ذاكرة عمالية : العمال المهاجرون , العمال – الفلاحون , والنساء والشباب . وهؤلاء بشكل خاص يعيشون المؤسسة كوسيلة لمشروع خارجي .‏

طبعاً , هنا نحن إزاء نماذج مثالية , بالمعنى الويبيري* للعبارة , لا تتعلق أبدا بشكل تام بهذه الفئة العمالية أو تلك القابلتين للتطور . وتكمن أهمية تحليل سان سوليو في إظهاره أنه في المؤسسة نفسها تتعايش ثقافات مختلفة وتتقاطع . والفضيلة الأخرى لأعمال سان سوليو هي أنها وضحت أن التأهيل Qualification لم يكن يعني غياب ثقافة خاصة و عجز أية مبادرة ذات طابع ثقافي في المؤسسة . وبينت أبحاث أخرى أيضاً أن العامل لم يكن تماماً مرتبطاً بالتنظيم حتى في أشد الحالات اغتراباًaliènantes . وعلماء الاجتماع المتخصصون بالعمل كانوا في البداية في الخمسينات والستينات , شددوا على طابع المغّرب للعمل التايلوري** . لكن الاغتراب ليس كاملاً أبداً ,والاغتراب الاجتماعي لا يختلط بالضرورة مع الاغتراب الثقافي .‏

فيليب بيرنو Ph.Bernoux ]1981[ وضع من جهته تحليلاً لسلوكات استملاك appropriation عالم العمل من قبل العمال الأكثر افتقاراً للتأهيل وللسلطة . والأمر يتعلق في أغلب الأحيان بممارسات غير شرعية , وأحياناً يصعب التعرف عليها , لكنها تدل على مقاومة ثقافية لما يقوم به التنظيم من نزع للملكية . و " الاستملاك " يظهر عبر استراتيجيات مختلفة تهدف كلها إلى المحافظة على حد أدنى من الاستقلال الذاتي . وهي ليست فعلاً acte فردياً خالصاً ولا رد فعل "مجرداً " من قبل الطبقة , بل سلوك يحيل إلى مجموعة انتماء أي مجموعة عمل محسوسة تتقاسم ثقافة مشتركة , مصنوعة من لغة مشتركة , ومن طريقة تصرف مشتركة , ومن علامات للتعّرف , ومن هوية مشتركة , الخ...‏

إن ممارسات الاستملاك عديدة ومتنوعة وتتعلق بالعمل نفسه وبتنظيمه , وبمكان العمل وزمانه , هذا العمل الذي يقوم الواحد منا بإعادة تكوينه على طريقته وحسب استطاعته , بل تتعلق حتى بناتج العمل . الأمر يتعلق بمقابلة المنطق التايلوري بمنطق ثقافي أخر للعمل قائم على الاستقلال والمتعة .‏

وهناك مثال ذو دلالة على إرادة الاستملاك هذه نراها من خلال ما يسمى perruque العمل الشخصي بأدوات المؤسسة . وهذا العمل الشخصي كما يبين ميشيل دو سيرتو لا يعني إعادة النظر في العمل بحد ذاته , بل يعني تنظيماً معيناً لهذا العمل . وليس التخلص من الأملاك والأشياء (عموماً لا تستخدم إلا البقايا ) بل التخلص من الزمن في المؤسسة حتى لا يسجن المرء نفسه في زمن " منظم " وموّقت . وهذا يعني أن يدل من خلال " عمله " على حنكة خاصة , وتأكيد القدرة على الخلق و الإبداع . كما يعني وضع منطق اللامبالاة والمجانية أي منطق الهبة don ( نادراً ما يحتفظ المرء لنفسه بإنجازات العمل الذي يقوم به على حساب المؤسسة ) في مقابل منطق الربح التجاري . لكن العمل المنجز على حساب المؤسسة perruque غير ممكن إلا بفضل تواطؤ أعضاء الجماعة الآخرين , ولا يصبح هذا العمل الشخصي المنجز على حساب المؤسسة ممكناً إلا حينما تقوم ثقافة مشتركة تربط أعضاء مجموعة العمل ببعضهم بعض . ومن هنا فان هذا العمل الشخصي هو المعبر عن ثقافة المجموعة (دو سيرتو , 1980 ص 70-74 ) .‏

ربما يكون من الأصح الحديث عن " ثقافة صغرى " microculture للجماعة . فإذا كان من الصعب وضع تعريف لثقافة مؤسسة معينة , فلا شك أنه من المعقول بالنسبة للباحث أن يميز " ثقافات صغرى " microcultures في كنف المؤسسة . الثقافات الصغرى التي " يخترعها " العاملون تبين بوضوح أن ثقافة المؤسسة ليست معطى سابقاً ما على العمال إلا اعتمادها . فإذا كانت المؤسسة نفسها منتِجة لمنظومات ثقافية , فهذا لا يعني مع ذلك أن تكون الثقافة صادرة عن الإدارة . من " يصنع " ثقافة المؤسسة؟ طبعاً جميع الممثلين الاجتماعيين الذين ينتمون إلى المؤسسة . كيف" تصنع " ثقافة المؤسسة ؟بالتأكيد أن القرارات السلطوية هي التي تصنعها , لكن عبر عملية معقدة من الأفعال المتبادلة بين المجموعات التي تتكون منها المؤسسة .‏

ولكي نتمكن من تعريف ثقافة مؤسسة ما , لا بد إذاً من الانطلاق من الثقافات الصغرى , مثلها مثل التنظيم بذاته , تؤمن سير العمل اليومي في المصانع ateliers , والمكاتب , وتحدد الاختصاصات و إيقاعات العمل , وتقوم بتنظيم العلاقة بين العمال , وتتصور الحلول اللازمة للمشاكل الفنية المتعلقة بالإنتاج . وحتماً فإن هذه الثقافات الصغرى تُخلَقُ أخذة بالاعتبار الإطار الخاص بالمؤسسة , لا سيما قيود التنظيم الشكلي للعمل والتكنولوجيا المستخدمة . ولكن هذه الثقافات لا تتحدد بهذين العنصرين لأنهما يرتبطان أيضاً بالأفراد الذين يشكلون مجموعة العمل . إذ نجد أن نفس التنظيم الشكلي مدعوماً بالتكنولوجيا نفسها لا يؤدي بالضرورة إلى ثقافة صغرى مشابهة: لأن خصائص مجموعة العمل تقوم بدور أساسي في الإنتاج الثقافي . هذه الثقافات الصغرى غير الشكلية informelles , التي ينتجها الأجراء أنفسهم هي التي تبدع الطوائف الصغرى microcommunautes في العمل وتنظمها في الوقت نفسه ( ليو , 1981 ) .‏

في نهاية المطاف , تقع " ثقافة المؤسسة " في تقاطع مختلف الثقافات الصغرى الموجودة في كنفها, وهذه الثقافات الصغرى لا تنسجم بالضرورة مع بعضها بعض , واحتكاكها لا يتم حتماً بلا مصادمات . تظهر علاقات قوة تبين هنا وهناك , الرهانات الاجتماعية . بعبارة أخرى , إذا كان لمفهوم " ثقافة المؤسسة " ثمة ملاءمة pertinence سوسيولوجية , فليس هدفها بالتأكيد الدلالة على منظومة ثقافية تستبعد منها كل أنواع التناقض والصراعات .(1)‏

من جانب أخر , لا يمكننا دراسة ثقافة المؤسسة بمعزل عن الوسط المحيط . فالمؤسسة لا تتكون من عالم مغلق من شأنه أن يفرز ثقافة كاملة الاستقلال . بل على العكس , فإن المؤسسة الحديثة شديدة الارتباط بمحيطها . سواء على الصعيد الاقتصادي , أو على الصعيد الاجتماعي والثقافي .‏

واليوم , إن التحليل السوسيو لوجي للمؤسسة لم يعد قادراً على تجاهل السياق . وبعبارة أخرى, لا يمكن اختزال ثقافة المؤسسة إلى مجرد ثقافة تنظيمية .‏

هناك مجموعة من الأبحاث التي بينت أثر الثقافات الوطنية على ثقافات المؤسسة ( إيريبارن, 1989) . وأوضحت البحوث المقارنة أن المؤسسات الموجودة في بلدان مختلفة كانت تعمل وفق منظومات ثقافية مختلفة . وقد كان ميشيل كروزييه(1963) من أوائل الذين بينّوا وجود نموذج ثقافي فرنسي لتنظيم المؤسسة وهذا النموذج يتميز بالشكلانية البيروقراطية والمركزية الشديدة للبنى المرتبطة بميل عميق لدى المجتمع الفرنسي نحو هذا الاتجاه .‏

ومن جانب آخر . طالما تحدثنا خلال السبعينات عن " النموذج الياباني " للمؤسسة . اختصاصيو الإدارة management , المبهورون بالنجاح التجاري والصناعي الذي حققته اليابان , ظنوا أنهم اكتشفوا نموذجاً عالمياً جديداً للتنظيم الفعال. لكنهم سرعان ما خففوا من مغالاتهم . إذ لم يكن من السهل نقل النموذج الياباني إلى بلدان أخرى بعد أن تنبهوا إلى إنشاء الشركات والمشاريع اليابانية في الولايات المتحدة وأوروبا , أي تلك التي استلهمت بشكل مباشر المظاهر الأساسية للثقافة اليابانية والمنسجمة مع البنى الاجتماعية لليابان .‏

إن قولنا هذا لا يعني الوقوع مرة أخرى في تفسير "ثقافوي " تبسيطي .‏

فالثقافات الوطنية ليست جامدة من جانب ,ومن جانب أخر ,فهي لا تحدد ثقافات المؤسسة بشكل مطلق.فالعلاقة بينهما سياسية . وهناك دراسات حديثة بينّت , في فترة الأزمة الاقتصادية , وبالتالي الاجتماعية, في الثمانينات أن النموذج الياباني , الذي كان يبدو دون عيب , لم يعد يعمل جيداً كما كان من قبل .‏

الأبحاث السوسيولوجية والاتنولوجيّة أظهرت بالتالي تعقيد ما يسمى بـ"ثقافة المؤسسة". فهذه في مطلق الأحوال , ليست مجرد نتيجة للمنظومة التنظيمية . إنها في الوقت نفسه انعكاس للثقافة المحيطة وإنتاج جديد يتكون في كنف المؤسسة عبر عدة ردود فعل توجد على كل المستويات بين أولئك الذين ينتمون إلى التنظيم نفسه , وإذا كان من النافل القول بأن الحديث عن ثقافة المؤسسة بالمعنى الاتنولوجي لكلمة"ثقافة" فذلك للإشارة إلى النتيجة المعقدة , في وقت معين من عملية البناء الثقافي غير المنتهي أبداً , معرضا ً للخطر مجموعات من الممثلين والعناصر المتنوعة , دون أن نشير إلى أن أية مجموعة هي الوحيدة التي تقود اللعبة .‏

ثقافة المهاجرين:‏

ظهرت في الستينات في فرنسا عبارة "ثقافة المهاجرين " وسرعان ما شهدت انتشاراً واسعاً . وليس من غير المفيد أن نتساءل عن السبب في عدم استخدام هذا المفهوم أبكر من هذا الوقت , ولماذا لم تشهد بعض النجاح في ذلك الوقت . سياق الفترة يسمح بالإجابة على هذا التساؤل ( حول وجهة النظر هذه وما يليها , انظر:سيّد 1978 )‏

ما دمنا كنا نعتبر أن الهجرة لم تكن إلاّ مؤقتة لارتباطها بعجز في الأيدي العاملة , فقد تم تعريف المهاجرين على أنهم أساساً عمال , "عمال أجانب " , والأسئلة التي كنا نطرحها كانت تدور آنذاك أساساً حول العمل , وعن اندماجهم في العمل " المعقلن " , وعن شروط العمل , الخ..ومع القرار الرسمي المنظم للهجرة عام 1974 , اكتشفنا الوجه الدائم للهجرة , إذ لم يعد المهاجرون إلى ديارهم على الرغم من أزمة العمل (الاستخدام) التي أصابتهم على وجه الخصوص . وأدركنا أن هجرة العمل قد تحولت إلى هجرة سكن و(إقامة ) نظراً لأن القانون كان يحمي " التجمعات العائلية " ويبرز هذه الحركة . وعندها لم يعد ممكناً اعتبار المهاجرين مجرد " قوة عمل " تكميلية . ومنذ الفترة التي أقاموا فيها في بلد الاستقبال مع عائلاتهم , فقد صار لزاماً أخذ كافة أبعاد وجودهم بعين الاعتبار. وكما في ممارساتهم اليومية ( الحياة العائلية , الاستهلاك , التسلية , الممارسات الدينية ) فقد أبدى السكان المهاجرون خصوصية معينة , واضطرت السلطات العامة المهتمة بدمجهم في الحياة المحلية إن لم تكن الوطنية , إلى الاهتمام بهذه الخصوصيات .‏

خلال فترة رئاسة جيسكار ديستان تم إنشاء مكتب وطني للتنشيط الثقافي للمهاجرين. وتقول إحدى وثائق وزارة الدولة المكلفة بشؤون المهاجرين , والتي تحمل عنوان " السياسة الجديدة للهجرة " ينبغي على هذا التشجيع أن يسمح للمهاجرين بوعي ثقافتهم الخاصة بموازاة اكتشافهم للثقافة الفرنسية:ويهدف هذا التشجيع أيضاً إلى تعريف الشعب الفرنسي بثقافة البلدان التي ينحدر منها أولئك المهاجرون ".‏

ومن إدارة اليد العاملة الأجنبية ننتقل بالتالي إلى إدارة الاختلاف الثقافي . فالسلم الاجتماعي يفترض السلم الثقافي . وسياسة تشجيع ثقافات المهاجرين هي سياسة عرضية للغاية وترتبط بحالة معينة من حالات الهجرة إلى فرنسا , وهي حالة السبعينات .‏

وإدارة الاختلاف تعني -نوعاً ما- رفض الدمج الكامل للمهاجرين في الأمة الفرنسية . وقد بلغ الأمر حد الزعم أن المهاجرين غير الأوربيين " غير قابلين للاندماج " لأنهم يختلفون كثيراً من الناحية الثقافية عن الفرنسيين . وفي الوقت الذي يتم فيه " تشجيع " ثقافة المهاجرين , فإن الحكومات المتعاقبة في تلك الفترة قد جهدت عبر كل أنواع الإجراءات غير الفعالة في إثارة عودة المهاجرين إلى بلدانهم .وهو أمر ينبغي ألا نرى فيه أي تناقض : فإبقاء المهاجرين في الاختلاف وتأجيج " وعيهم " بثقافتهم الأصلية يساهم في حثهم على العودة التي يؤمل أن تتحقق عاجلاً أم أجلاً على الرغم من بداهة الأمور.‏

لكن مفهوم " ثقافة المهاجرين " لاقى بعض التجاوب في السبعينات ليس بسبب سياسة الحكومات فحسب بل لأن السياق الأيديولوجي الفرنسي في تلك الفترة قد ساهم كثيراً في هذا الأمر . والحقيقة أن تلك السنوات تميزت بانبثاق الحركات الإقليمية (بروتانيا , أوكسيتان , كورسيكا ) المطالبة بالاعتراف بوجود هوية ثقافية خاصة والتي تدين المركزية الثقافية للدولة الفرنسية . وصار يشاد بالاختلاف الثقافي لذاته , ونصّب عدد كبير من المناضلين أنفسهم بمثابة شعراء التعددية الثقافية والمدافعين عن كل الأقليات الثقافية المتواجدة على الساحة الفرنسية . و تأكد الحق بالاختلاف " الثقافي " باعتباره أحد الحقوق الأساسية للإنسان . وبذلك التقى الخطاب التعددي وبشكل غير مسبوق , بالخطاب المركزي لتشجيع ثقافات المهاجرين , حتى لو كانت المكانة الممنوحة للاختلاف تتعارض تماماً في هذه الحالة أو تلك .‏

وإن شهد هذا المفهوم شيئاً من النجاح , فذلك لأنه اكتسب طابعاً إيديولوجيا يتفق مع رؤية سياسية معينة . هذا التجيير الإيديولوجي للمفهوم بلغ حد قيامه بنقل تمثّل نوعي لهذه الثقافة أو تلك الثقافات . أولاً , استخدام عبارة "ثقافة المهاجرين يحيل تقريباً دائماً إلى " الثقافة الأصلية " للمهاجرين . أي إلى ثقافة بلدانهم الأصلية . وهي طريقة ذكية لإنكار الخصوصية الثقافية التي يتمتع بها المهاجرون بالنسبة لأبناء وطنهم الذين بقوا في البلاد . وهي طريقة أيضاً لسجنهم في هوية جامدة .‏

الثقافة المعنية هنا في استخدام هذا المفهوم تعتبر بمثابة ثقافة مشيأة , ونوعا ً من المعطى السابق في وجوده على أي شكل من أشكال العلاقات الاجتماعية . والفرد لا يمكنه الإفلات من ثقافته ( الأصلية ) مثلما لا يمكنه التهرب من خصائصه الوراثية . ضمن هذا الفهم فإن مفهوم الثقافة غالباً ما يعمل كتورية لـ"العنصر race " ("إنه ثقافته , بشكل مضمر: } ولا يستطيع تغييرها { , } لا أحد يستطيع تغييرها ") . ومن شأن الفرد أن يتحدد تماماً من خلال ثقافته " الأصلية " . الأمر الذي يسمح بتأكيد أن المهاجرين المختلفين " جداً " من الناحية الثقافية هم غير قادرين على الاندماج .‏

إن مماهاة ثقافات المهاجرين بـ " ثقافاتهم الأصلية " هو خطأ قائم على سلسلة من التشوشات . أولاً نحن نخلط " ثقافة الأصل " بالثقافة الوطنية . ونفكر كما لو أن ثقافة البلد الأصل هي ثقافة واحدة , في الوقت الذي نجد فيه الأمم اليوم غير متجانسة من الناحية الثقافية . ولا نتساءل عن الخصوصية الثقافية لكل مجموعة من المهاجرين القادمين من بلد واحد , ولا عن علاقة كل فرد بالثقافة الوطنية في بلده قبل إقامته في بلد الاستقرار .‏

بعد هذا تعرف الثقافة الوطنية " الأصلية " بشكل ضمني كثقافة جامدة أو على الأقل إنها ضعيفة القابلية للتطور . إن البلدان التي يفر منها المهاجرون هي في الغالب بلدان تشهد تغيرات عميقة إن لم نقل اضطرابات اقتصادية واجتماعية وبالتالي ثقافية أيضاً . وبالتالي فإن المهاجر لا يمكن أن يكون ممثلاً لثقافة بلده ولا حتى ممثلاً لثقافته الخاصة الأصلية التي ينتمي إليها , لأنه يجد نفسه خارج تطور طائفته و بلده ( لا سيما التطور الثقافي ). ومهما بلغت الجهود التي يبذلها المهاجرون للبقاء أوفياء لثقافتهم الأصلية فإنهم سيبقون بعيدين إلى حد ما عما آلت إليه تلك الثقافة منذ رحيله . وهذا ما يشكل إحدى المشاكل الكبرى التي تقف عائقاً أمام عودة المهاجرين إلى بلدانهم حيث غالباً لا يتعرفون على التغيرات الثقافية أو المادية التي حصلت فيها خلال غيابهم .‏

إن الثقافة المسماة بـ " ثقافة المهاجرين " هي في الواقع ثقافة تتحدد من خلال الآخرين تبعاً لمصالح الآخرين انطلاقاً من معايير عرقية مركزية . " ثقافة المهاجرين " هي كل ما يجعلهم مختلفين ولا شيء غير هذا . إنها ثقافة تتشكل مما يتناقض مع المنظومة الثقافية الفرنسية . لقد تشكلت في التصور الاجتماعي المهيمن في فرنسا فكرة أن تكون مهاجراً هو في حد ذاته أن تكون مختلفاً, أن تكون غريباً ( عجيباً etrange ) . وبمقدار ما تزداد النظرة إلى الفرد على أنه غريب بمقدار ما يزداد النظر إليه على أنه مهاجر.‏

من النظم الثقافية الخاصة بالمهاجرين لن نمسك إلا بتلك التي تشجع التصور المهيمن على هذه الثقافات أي الأوجه الأكثر وضوحاً للعين والأكثر إدهاشاً . وسنضع في المقدمة " التقاليد " و " الأعراف " و " السمات الثقافية " الأكثر غرابة (مثل الأمور التي تتعلق بالمغاربة , تحريم لحم الخنزير , التضحية بالخرفان, الختان وما إلى ذلك).‏

وتتحدد " ثقافة المهاجرين " انطلاقا ً من مجموعة من العلامات الخارجية ( الممارسات الغذائية , واللباسية والدينية والاجتماعية الخ ...)التي لا ندرك دلالتها العميقة ولا تجانسها ولكنها تسمح لنا بالتعرف على المهاجر,والتذكير بأصوله , و تبعاً لعبارة سيّد " إعادته إلى أصوله " وهي طريقة " لإعادته إلى مكانه " .‏

التعريف العام الذي يعطى لـ((ثقافة المهاجرين هو بالتالي تعرف جزئي – والسياسة المسماة بسياسة " تشجيع ثقافات المهاجرين " لم تكن في الواقع سوى تشجيع لأبرز المظاهر الفلوكلورية في هذه الثقافات )).إذاً فـ" ثقافة المهاجرين " تبقى محصورة " بالثقافي" بأضيق معاني هذه الكلمة التي تتعلق أساساً بجو التسلية . نشجع إقامة " روابط ثقافية " يتم تمويلها في إطار هذه السياسة : وتصبح مكاناً لممارسة اللغة الأم والفنون التقليدية (موسيقا , غناء , رقص ...) والمطبخ التقليدي الخ....في الحالات الأخرى للحياة الاجتماعية غالباً ما تقدم " ثقافة المهاجرين " بعيداً عن تقييمها إيجابياً باعتبارها تشكل مشكلة ومصدراً للصعوبات والإزعاج بالنسبة للسكان الفرنسيين.‏

خارج أماكن وأوقات التعبير الثقافي المتفق عليه يطلب إلى المهاجرين " اكتشاف الثقافة الفرنسية " والتنازل عن الأوجه الأكثر " إغاضة " في ثقافاتهم الخاصة .‏

إذا ضربنا صفحاً عن الخطاب الايديولوجي حول" ثقافة المهاجرين" إذا وضعنا أنفسنا على صعيد آخر هو صعيد التحليل الانثروبولوجي , سنلاحظ حتماً أن ثقافات المهاجرين هي , في إطار مجتمع الاستقبال , ثقافات قلل من شأنها , وثقافات خاضعة . وهناك ماهو أكثر من هذا . يرى عدد كبير من المهاجرين , بالمعنى الحقيقي للكلمة , أي مهاجري الجيل الأول أن الثقافة الأصلية التي يجهدون في المحافظة عليها على الرغم من كل الظروف , لم تعد في البلد المضيف إلا " ثقافة مفتتة" , ثقافة مجزأة , تم اختزالها إلى بعض عناصرها . إنها لم تعد إلا ثقافة غير مندمجة desintegree , ومفككة ولم تعد تشكل منظومة متجانسة وبعبارة أخرى لم تعد ثقافة تامة .‏

فضلاً عن هذا , هده الأجزاء المفصولة عن الوسط الذي أنتجها , والمستوردة إلى مجتمع الهجرة, هي أجزاء انفصلت عن سياقها الأمر الذي أفقدها طابعها الوظيفي . وأصبحت لازمنية وتعبير عن " تقاليد لليأس " . هذه الثقافة " المُبعَدة عن وطنها " والمفقّرة لا يمكنها إلا أن تكون ثقافة جامدة figee , قلت قدرتها على التطور وصعبت قدرتها على الانتقال إلى الجيل الثاني . وإذا كان المهاجرون يتعلقون بهذه الأجزاء من الثقافة ,فلأن ذلك يسمح لهم بتأكيد هوية نوعية والبرهنة على وفائهم لجماعتهم الأصلية وهذا يسمح أيضاً بالحفاظ على حد أدنى من الانسجام مع جماعة المهاجرين التي تتعرف على ذاتها في اصل مشترك.‏

وللأسباب نفسها , كما يشير (صيّاد), يلعب المهاجرون لعبة سياسة الدولة في رفع قيمة ثقافتهم . فالمشاركة في التظاهرات الثقافية الممولة من قبل هذه السياسة ليست " ترفاً فائضاً " بل محاولة للمحافظة على ما تبقى من الثقافة الأصلية ولتعزيز التضامن في مجموعات أبناء الوطن الواحد عبر الشعور المشترك بالعيش جماعياً .‏

إذاً يبدي المهاجرون مقاومة ثقافية على قدر ما يستطيعون . ومع هذا , شاؤوا أو أبوا , فإن منظومتهم الثقافية تتطور. حتى حين يعتقدون بأنهم أوفياء تماماً لتقاليدهم , هناك تغيرات تنشأ في مرجعياتهم الثقافية . ويستحيل عليهم البقاء أبداً ممانعين للتأثير الثقافي الذي يفرضه عليهم المجتمع المحيط . بمقدار ما تطول مدة إقامة المهاجر بمقدار ما يصبح هذا التأثير حاسماً , وعلى هذا لا يمكن خلط ثقافات المهاجرين بشكل اختزالي مع ثقافاتهم الأصلية . إنها ثقافات حيّة وديناميكية تحرك مجموعات المهاجرين , وهي مجموعات متعددة الأجيال . أولئك الذين نسميهم " مهاجري الجيل الثاني " (وهو تعبير غير ملائم لأنّ هؤلاء لم يهاجروا) كثيراً ما يساهمون في تغيير ثقافة مجموعتهم نظراً لاندماجهم الاجتماعي المزدوج في العائلة من جهة وفي المدرسة الفرنسية من جهة والاحتكاك بالفتيات الفرنسيات من جهة أخرى.‏

إن ثقافات مختلف تجمعات المهاجرين لم تعد معطى يشبه أية ثقافة أخرى. إنها خلاصة عدة تفاعلات , في داخل التجمع نفسه وبين كل تجمع والتجمعات الأخرى ومحيطها الاجتماعي , وإذا ما أُخذت ثقافات المهاجرين كلها مع بعضها كمنظومة فإنها مستمرة في التطور , حتى لو أمكن الاحتفاظ ببعض العناصر الخاصة في حالة شبه ثابتة إنها ثقافات تلفيقية syncretiques , هجينة , قال عنها بعض المؤلفين بأنها تتشكل على طريقة " الترقيع " bricolage , كما هي في الأغلب حول الثقافات الناشئة عن احتكاكات ثقافية غير متناظرة تماماً . وتتبدى ابداعيتها crativite في قدرتها على دمج عناصر مأخوذة من ثقافات يفترض أنها متباعدة في المنظومة نفسها وجعل تخطيطات schemas ثقافية غير متجانسة ظاهرياً تتعايش مع بعضها البعض . وبسبب مظهر هذه الثقافات " الترقيعي " وكونها نشأت من أدوات متباعدة وأصول متنوعة , فإنها تشكل إبداعا أصيلاً طالما أن الاقتباس لا يتم بدون إعادة تأويله, أي دون إعادة خلقه , لكي يتم إدخاله في مجموعة جديدة .‏

" الترقيع " الثقافي لا يتناقض مع إرادة الوفاء للثقافة الأصلية . ففي حالات كثيرة , كما ترى دومينيك شنابر(1986) يتم الترقيع اعتبارا من عناصر مقبوسة حول ما تسمّيه " النواة الصلبة " للثقافة الأصلية , أي القيم والمعايير والممارسات التي تبدو –بنظر المهتمين-لازمة للحفاظ على الهوية الجماعية والشرف كما يتصورونه . كل ما يكوّن " النواة الصلبة " ينتقل منذ الطفولة الأولى كمفهوم الأدوار الجنسية، على سبيل المثال أو التعليمات الغذائية، و مع هذا فإن دومينيك شنابر تحذرنا بقولها:‏

التمييز بين نواة المنظومة الثقافية وبين محيطها ليس منجزاً نهائياً , لأنه يرتبط بالثقافات الأصلية وبالظروف التاريخية التي تقود التي تقود الجماعة إلى وعي ذاتها وبالنتيجة , إلى وعي حدودها ]1986,ص155[.‏

إن الدراسات الاتنوغرافية الجدية وحدها القادرة , في نهاية المطاف , على الكشف المادي عن ماهية ثقافات المهاجرين نظراً لوجود عدة أنماط من المهاجرين . ولوضع تصنيف ملائم , لا بدّ من أخذ سلسلة من المتغيرات بعين الاعتبار : المكانة الاجتماعية والبُنى العائلية الأصلية للمهاجرين , وطابع مشروع الهجرة , ونموذج الدمج الخاص بالدولة المضيفة ( فردي أم "جماعي" على سبيل المثال) , تجميع المهاجرين أم توزيعهم (فوق الأراضي الوطنية , في المدن , في الأحياء ) .‏

وبالتالي لا يمكننا رسم لوحة وحيدة لثقافات المهاجرين لأنها لا توجد إلا بشكل جمعي , وفي تنوع الحالات والأشكال والعلاقات البَيْعِرقية . هذه الثقافات هي منظومات معقدة ومتطورة طالما أنه يتم إعادة تأويلها باستمرار عن طريق أفراد يمكن لمصالحهم الفئوية categoriels أن تختلف تبعاً للجنس والجيل , والمكان في البنية الاجتماعية , الخ.‏

إن التصور التبسيطي لثقافة المهاجرين المزعومة(بالمفرد)أوجدت وفرة من الكتابات والخطابات ذات التوجهات الخاضعة للمناقشة والمفتقرة إلى العلمية, لا ينبغي أن يقود أخذ تعقيد مختلف ثقافات المهاجرين بعن الاعتبار الباحثين إلى ترك تحليل البعد الثقافي لظاهرة الهجرة . وتفحص الشرط الاجتماعي للمهاجرين غير كاف لكي تُفهم ممارساتهم بشكل جيد . التحليل الثقافي ضروري لفهم التجانس الرمزي لجملة هذه الممارسات , وللمعنى الذي يجهد المهاجرون في إعطائه لوجودهم . إنهم يؤكدون إنسانيتهم عبر إبداعهم الثقافي .‏

* سواء أكانت صناعية أم تجارية(شركات مصانع الخ) [المترجم]‏

(1) الأساليب العلمية التي وضعها المهندس الأمريكي فريدريك تايلور (1856-1915) لتنظيم العمل بقصد زيادة فعالية ورفع معدل الإنتاج]المترجم[.‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق